أزرع شجرة، واترك كيساً !!!

يناير 15, 2011

قبل حوالي الأسبوعين من الآن، شاركت في حملة تشجير مع رواد الطبيعة في منطقة غربي دمشق. كان هنالك العديد من المشاركين ومن مختلف المشارب والجمعيات والمناطق السورية، وقد قام الجيش السوري بتسهيل العملية والمساعدة. أستطيع أن أجزم القول أن مثل هذا النشاط هو أمر يسر ويظهر تعاون الإنسان على محاولة إعادة بناء ما أفسده عبر العصور. كما أنه يدل على ارتباط الناس بالأرض على اختلاف مشاربهم.

وفي غمرة التشجير ، وعندما كان الناس يتسابقون لكي يزرعوا العدد الأكبر من الأشجار، كنت ارافق صديقة لي، والتي أصرت على أن تذهب للمشاركة بالتشجير رغم أن قدمها مصابة بكسر طفيف، وجدنا شجرتين لكي نقوم بزرعهما. ولدى اقترابنا من الغرستين، لفت انتباهي كيساً بلاستيكياً ذو لون أسود بين الأعشاب: إنه الكيس الذي يحوي الغرسة، وقد تركه المتطوعون على الأرض بعد أن قاموا بالغرس.

عظيم، نظرت حولي هذه المرة ولكن بطريقة أخرى، لأبحث عن اللون الأسود، وهنا، تفاجأت بوجود العشرات من الأكياس التي تحيط بي، والتي لم أرها في البداية. سألت نفسي مستغرباً: هل تعودت عيننا على رؤية الأكياس منتشرة في كل مكان فلم نعد نلحظها؟ ألهذه الدرجة تعودت عيننا على التلوث؟ وكيف يترك متطوعون يحملون حساً عال من المسؤلية الأكياس ملقاة على الأرض؟

هنا، لم أعد أكترث للتشجير فعلاً، بل تركت كل شيء وبدأت وصديقتي وعدد آخر من المتطوعين بنتظيف المصاطب من الأكياس السوداء، وبدأت تتكشف لي حقيقة أخرى: بعض الأكياس بحالة ممتازة مع أنها ملقاة منذ أكثر من عام وقد غطى معظمها التراب، بعض الأكياس الأخرى قد تم تجميع المئات منها وراء وتحت صخور كبيرة وبين أشجار البلوط البرية التي تواجدت أصلاً في المنطقة، من الأشياء التي وجدتها أيضاً عبوات فارغة لرصاص صيد، علب سردين صدئة وغيره.
لا أستطيع إلا أن أثمن الحس العالي للمتطوعين وحماستهم.. ولكن…

في أعالي الجبال، في المكان الأكثر بعداً عن المدنية قرب الحدود مع لبنان ووسط ما تبقى من الأحراش البرية، نرى أوساخنا الني تركها المتطوعون وبعض الصيادين لتدوم لمئات أو حتى آلاف السنين. يالها من هدية جميلة نتركها للأجيال القادمة.

ماذا يحصل في دمشق القديمة؟ (داخل السور)

نوفمبر 8, 2010

المطاعم العديدة التي تفتتح كل شهر في دمشق القديمة صار عددها بالمئات لم تعد تكتفي بتقديم الوجبات التقليدية الشائعة. فعندما تجول في المدينة القديمة ستكتشف ما يحصل بالتدريج: محل يقدم فطائراً غربية( الوافل). وله فروع عديدة ضمن المدينة القديمة. مطعم آخر يقدم بيتزا إيطالية على الحطب ومطعم آخر يقدم مأكولات صينية. يزداد انتشار هذه المطاعم ذات الطابع العالمي على امتداد مدينة دمشق على وجه العموم. ولكن لانتشاره في دمشق القديمة بعداً آخر.
فقط لنا أن نتصور إن استمر الوضع على هذا المنوال ماذا سيكون شكل المدينة القديمة بشوارعها وآثارها وأوابدها وهي تحوي هذا العدد الهائل من المطاعم ذات الطابع العالمي. لن تختلف دمشق القديمة عن أية حي عالمي آخر في بيروت أو دبي أو حتى لندن.
باعتبار المدينة القديمة نموذجاً رائعاً لثقافة عمرانية وفنية امتدت عبر آلاف السنين فمن الطبيعي أن تكون ثقافة المطبخ الشامي جزء من هذه النماذج المقدمة وأن تكون المطاعم المنتشرة هي من يقدم هذه التراث الذي لا يقل عبقرية عن الفنون الحرفية الأخرى. ولكن للأسف فأغلب المطاعم هي إما غربية، أو تكتفي بتقديم أطباق من المشاوي والمقبلات والتي يمكن الحصول عليها في أية مطعم شرقي في لندن أو باريس، أو هي بارات ومقاه لا تقدم إلا المشهور والمعروف أيضاً. ومن ثم تكتمل المشكلة بوجود عقلية استثمار تبحث عن إضافة عناصر أجنبية ذو طابع عالمي لمدينة مصنفة ضمن مواقع اليونيسكو العالمية لتقضي تدريجياً على طابعها.
ماذا يحصل هنا: تتحول دمشقنا القديمة إلى مطعم كبير يجتذب آلاف الجائعين والذين يبحثون في الغالب عن الرخص والكم بدلاً من النوع والتفرد. نسينا أطباقنا الشامية والتي كادت تنقرض من بعض بيوتنا وبعض الأكلات الشعبية التي هي بطريقها إلى الانقراض كالخشاف والسحلب على سبيل المثال.
إذا أنا أجزم بوجود مشكلة ثقافية ووظيفية ضمن المدينة القديمة. وأعتقد أن الحل يكمن في التوعية والتشجيع بدل وضع القوانين.

سفرة عرب الدرجة الثانية

أكتوبر 21, 2010

المشهد الأول:

خمسة مراجعين عند شباك موظف المراجعة في إحدى السفارات..بعضهم لديه أسئلة وبعضه ينتظر تأشيرته، الموظف يتكلم على الهاتف ولا يعر أحد اهتماماً. طالت المكالمة وزاد عدد المراجعين.. أنا أنتظر منذ نصف ساعة وبعض المراجعين ينتظر منذ أكثر من ساعة.

فجأة، نزل أحد الحراس وبدأ بالصراخ:

- قفوا بالدور وابتعدوا عن الشباك!! الموظف لا يريد أن يرى أياً منكم.

 

امتثل الجميع إلى أوامر حضرة الحارس من دون أية كلمة. ..أثار الوضع  انزعاجي..

 

- ولهذه الدرجة منظرنا بشع ومزعج حتى سيادة الموظف لا يريد أن يرانا؟

- لا ولكنكم تشوشون عليه وهو كما ترون مشغول

- ونحن أيضاً لدينا اعمال وانشغالات في حياتنا ونحن مشغولون..

المهم تراجع الحارس ولكن كما يبدوا انزعج موظف السفارة والنتيجة أنني لم أحصل على تأشيرة.

 

 

 

المشهد الثاني:

وصلت إلى سفارة أخرى  لكي استلم التأشيرة. لم يكن هنالك أحد في الخارج سواي. رننت الجرس:

-عفواً أستاذ، بعد قليل سيأتي أحدهم ليفتح لك الباب الخارجي.

 

مرت حوالي العشرة دقائق وأنا أنتظر في الخارج ..وأنا أنتظر تحت الشمس وبين السيارات.  نظرت من أعلى الحائط فوجدت حديقة تحوي على مقاعد ومن ورائها وجدت الغرفة المكيفة التي من المفروض أن أستلم جوازي منها. :ان كلاً من الغرفة والحديقة خاليين إلا من مراجع واحد أو اثنين فلم أجد مبرراً لوضعي بالخارج. اتصلت مرة أخرى:

-عفواً أنا أنتظر منذ ربع ساعة في الخارج.. مع أنه قال لي أن الباب سيفتح الآن.

 

تعجبت موظفة الهاتف:

-سعرك بسعر غيرك.. بنتنتظر بالخارج مع المراجعين

- بس مافي حدا برا والغرفة المكيفة جوا فاضية

- معناتها الموظف مشغول

- مشغول على راسي بس ما بنطر تحت الشمس ومع السيارات ..بتلاقيها حلوة

- إيه حلوة ونص..

أجابت الموظفة..

عندها.. عرفت طبيعة الإنسانة التي أتعامل معها.

 

 

 

المشهد الثالث:

 

في المكتب كنت أقص لزملاءي بعض ما يحدث معي في السفارات.. نظر إلي أحد الزملاء وقال لي:

- ماذا تلبس عند ذهابك للسفارات؟

- ملابس عادية

- ولهذا السبب يتم إزعاجك أو رفضك!

- وماذا يجب أن ألبس

- بدلة، ربطة عنق وحذاء من طراز اول

- ولماذا؟

- لن يقتنعوا غير ذلك..الشكل مهم!

 

وافق معظم من في المكتب على ما قاله زميلي..تأسفت بشدة على ما سمعت.

 

 

 

المشهد الرابع:

 

أقف على رتل عند الحدود وبمحاذاتي يقف شاب غربي الملامح على رتل خاص آخر

تؤخذ صورتي

أسأل مئات الأسئلة

أعامل بإزعاج

أفتش عدة مرات

أما الشاب الغربي، يبرز جوازه ويمضي بحرية مع ابتسامة عريضة: ويلكم ويلكم

 

قصة السياحة في قرية سورية

سبتمبر 2, 2010

في إحدى المناطق الجبلية ولتكن قرب البحر المتوسط، كانت هنالك قرية صغيرة تتوسط غابات الصنوبر وتطل على بحيرة صغيرة. لم يكن هنالك سوى عشرات البيوت، بضعة مصاطب للزيتون والحمضيات المتداخلة مع الغابات وبضعة قوارب صغيرة لصيد الأسماك في هذه البحيرة. ولبعد المنطقة عن الطريق العام، لم يكن هنالك سوى طريق ضيق يصل القرية بالعالم. معظم الأهالي كانوا فلاحين بسطاء يلبسون الزي التقليدي ويستمعون لمسيقاهم التقليدية، ويعيشون حياتهم بهدوء.

في أحد الأيام، وصلت مجموعة من الرسامين والمصورين الهواة إلى تلك القرية فأعجبهم هدوءها وتميزها بحفاظ أهلها على عاداتهم وتقاليدهم، ولفت انباههم طبيعتها الهادئة. كانوا يأتون مع خيمهم. يرسمون ويصورون المكان. ومن ثمة يعودون إلى مدنهم ويقومون بنشر هذه الصور واللوحات في المجلات والمعارض.

بدأ الناس يعرفون عن هذا المكان وبدأ يثير فضولهم، وهنا، صار الناس يأتون بأعداد أكبر، بعضهم من الفنانين  وبعضهم الآخر ممن يتوجهون عادة لمناطق قريبة ولكنهم صاروا يمرّون بالمكان في طريقهم ويتوقفون لبضعة ساعات. كما بدأ العديدون بتنظيم رحلات مسير تمر بهذا المكان.

لاحظ القرويون ازدياد شعبية قريتهم. فما كان من بعضهم إلا أن افتتح مقهى بالقرب من البحيرة وقام آخرون بافتتاح محال صغيرة تبيع ما قد يلزم الزوار المؤقتين. ومع ازدياد عدد الزوار ونجاح فكرة المقهى. بدأ العديد من فلاحي القرية باقتلاع أشجار الزيتون والمحضيات وبناء مقاه صغيرة توزعت هنا وهناك وبدأت هذه المقاهي بتقديم ما يتمناه الزبائن وما قد تعودوا عليه ولم يعد أحد يكترث للمشروبات التقليدية للبلدة.

 وهكذا بدأ مزيد من السياح بالقدوم. هذه المرة ليس من المستكشفين بل ممن يفضلون الجلوس في المقاهي والاستمتاع بالمناظر الجميلة. تنبه محافظ المنطقة إلى ازدياد شعبية المكان، فقام بتوسيع الطريق المؤدي إلى القرية ووضع لافتات تسهل الوصول إليها، وبدأ مزيد من الناس بالقدوم.

لاحظ العديد من الزوار امكانية الاستثمار السياحي هنا. وفعلاً قام أحد المستثمرين بشراء مساحات شاسعة من الأراضي المحيطة بالبحيرة من الفلاحين ومن ثم بنى فندقاً فخماً يطل على القرية وبنى فيه ملاعباً للأطفال ومسابح وأقام صالة حفلات كبيرة. أما الفلاحين من أصحاب الأرض فبعضهم ذهب للمدينة واشترى بيتاً هنالك وآخرون افتتحوا محالاً تجارية بقريتهم.

تدريجياً، ازداد عدد المحال والفنادق والمطاعم والمقاهي. وبدأ العديد منها بتقديم حفلات فنية ساهرة ونشاطات أخرى شبيهة. وصارت القرية بلدة وصار معظم زوارها ممن لا يكترثون بالطبيعة أو بالهدوء بل بالمطاعم والتسوق. وصارت البلدة لا تنام ولم تعد تجذب أية رسام أو مصور أو محب للطبيعة.. فهواؤها صار ملوثاً وحقولها اختفت بالتدريج. وأما البحيرة فبدأت بالجفاف لاستخدام معظم مياهها للمسابح ولتخديم المرافق المتواجدة.

فقدت القرية خصوصيتها وصارت شبيهة بمثيلاتها في كل المنطقة. وبعد بضعة أعوام سمع الناس عن منطقة جميلة وليست ببعيدة فنسوا هذه البلدة السياحية التي فقدت أريقها وتوجهوا إلى بلدات وقرى أخرى. وهنا بدأت العديد من المقاهي والمحال بالإغلاق وتحول الفندق لمبنى سكني وهجرت العديد من المرافق وتم استخدام بعضها لنشاطات مشبوهة كالدعارة وغيرها، فهجرها العديد من سكانها بعد أن كانوا قد هجروا قبلاً عاداتهم وطريقة حياتهم.

كم قرية مثل هذه لدينا في بلدنا؟ لقد كتبت هذه التدوينة لكي أسلط الضوء على  ما يجري من اعتداء على قرانا وطبيعتنا تحت مسميات براقة كالاستثمار السياحي  والتطوير السياحي والتي سبق وقد دمرت العديد من مواقع تعد فريدة على مستوى عالمي بجمالها وندرتها. مواقع فقدت ما تملك أحياناً إلى غير رجعة بسبب جهل أهلها وغياب قوانين تنظيمية جادة وعدم تطبيقها إن وجدت وعدم اكتراث المستثمر.  

عبودية..ولكن على الموضة

مايو 20, 2010

- لا تقلق.. لدينا جارية… تعال واحضر أصدقاءك.. المشكلة أنها غبية وفهمها بطيء ولكنها تتعلم.

- هي من أندونيسيا.. لا.. لا أعرف ما اسمها ..اسمها صعب.. فقررنا تغيره إلى “زهرة” اسم سهل تستطيع هي تذكره ونستطيع نحن لفظه. خير من تلك الأسماء العجيبة.

- طبعاً.. الإسلام هو أهم الأمور..لقد حرصنا على أن تكون مسلمة بل ومحجبة أيضاً..يا أخي أفضل.

- أتتنا محجبة وقالت أنها مسلمة.. ولكن من اليوم الأول قلت لها أن تصلي معي فقامت بوضع سجادة الصلاة بالعرض بدلاً من الطول ولم تعرف ما ستفعل..سألتها إن كانت مسلمة فعلاً فقالت بأنها ليست مسلمة ولكن مكتب تصدير الخادمات أجبروها على أن تقول أنها مسلمة وأجبروها على ارتداء الحجاب.                                                                                                                                               

- أ نا لا أأتمن جانبهن..فمعظمهن حاقدات علينا.. أنا أعامل خادمتي خير معاملة ومع ذلك أعرف أنها تتكلم عني بالسوء للخادمات الأخريات.. أنا لا أفهم اللغة ولكنني أحس بما يقلن.

- لا أدعها تتكلم مع أية خادمة أخرى..و لا أدعها تخرج من البيت إلا بإذني.. ولا تخرج أكثر من خمسين متراً بعيداً عن البيت. هكذا أفضل، فهن يعلّمن بعضهن البعض وقد يسرقن أو يزنن. ولذلك من الأفضل تقييدهن في البيت فقط.

- لم نجد لها مكاناً فقررنا وضعها في العلية في المطبخ..وهذا أفضل لأن جيراننا يجعلونها تنام في خزانة ملابس كانوا قد أفضوا محتوياتها ووضعوا فيها فراشاً.

- يا أخي لا تقل لي حرية وما حرية!! لو لم يكنّ سعيدات لما أتين إلى هنا.. الخادمة هنا تأكل وتتفرج على التلفاز وتنام بسلام. أما في بلدها فهي تموت من الجوع.. الكل مستفيد هنا: نحن نأخذ الخدمة وهي تعيش بسلام.. ومن ثم نحن نقدم لها كامل الاحترام، على الأقل هي تأكل معنا على مائدة الطعام وهذا لا يحصل في معظم البيوت.

سورية الخيالية وسورية الحقيقية وسوريا التي نريدها أن تكون!

مايو 10, 2010

أناقة  و رقي:

شاهدت مقطعاً عن سورية على اليوتيوب وكان يتكلم عن دمشق وسوريا. في قسم التعليقات على نفس الصفحة أقرأ تعليقاً تركه أحد الشباب السوريين باللغة الانكليزية ينكر صحة التقرير ويشتمه لأن الناس في سوق الحميدية هم برأيه لا يمثلون السوريين!  فالسوريين بنظره أكثر أناقة.

أما صديقي المصور جون  فقد تلقى العديد من التعليقات تحت صوره التي نشرها في العديد من المواقع. من معلقين يشتكون من كثرة تصويره للأماكن الأثرية في دمشق والأحياء الشعبية وتركه للأماكن التي تعتبر راقية. وقد تأسف جون لهذه التعليقات وتساءل حينها: “كم مالكي وأبو رمانة لدينا مقابل أحياء كالسيدة زينب أو حرستا؟”

نحن لا نعيش كلنا في أبو رمانة، ولا نستمع جميعاً للينا شماميان أو فيروز. ومع ذلك فإن العديد منا يعتبر مطرب الجزيرة عمر سليمان ذو الحطة العربية والنظارات السوداء الكبيرة والشوارب العريضة مدعاة للسخرية ورمزاً للتخلف مع أنه هنالك مئات الآلاف من المعجبين بموسيقاه في تلك المناطق وهم حتماً يفوقون عدداً وانتشاراً معجبي لينا.

خضرا يا بلادي خضرا

لنلق نظرة على مقاطع اليوتيوب عن سورية: معظم المقاطع التي أعدها السوريون تظهر الجبال الخضراء في الساحل والغابات ومصاطب الزيتون متناسين أن أكثر من خمسين بالمئة من أراضيها هي أراض جرداء أو شبه جرداء ولكن لها سحرها وجمالها الخاص أيضاً.

ما الذي يمثل سوريا؟

وهل لي الحق بأن أختار من هو السوري وما هو السوري وأنفي ما لا أريده؟ هل السوري النموذجي هو الذي يلبس أرقى الثياب ويطيل شعره؟ وهل المرأة السورية “ذات الملابس العصرية” هي التي فعلاً تعكس واقع السوريات؟ أم المرأة البسيطة التي تعمل في الحقول وقطاعات الخدمات؟

يجب أن أذكّر أن أجيالاً من أهل المدن احتقروا الدبكة ولم يبدوها الاهتمام حتى صارت الدبكة لبنانية. وأننا احتقرنا الفلافل على أنها أكلة متواضعة وبسيطة فقدمناها على طبق من ذهب للصهاينة لتصبح طبقهم القومي.

فلنحترم التنوع والتعدد في بلادنا…… بل لنعتبره نعمة وميزة من الواجب استغلالها واستثمارها..ولننظر لواقعنا نظرة عملية وواقعية خالية من المجاملات فهذا ما يساعدنا على تجاوز المشكلات ….. وعلينا عندما نرسم صورة عن بلدنا أن ندخل فيها المرأة الفقيرة والرجل البسيط إلى جانب المرأة الأنيقة، والجروف الصخرية الجرداء إلى جانب غابات الفرنلق لأن الصورة ستبقى فعلاً منقوصة أو مشوهة من دونهما.

الخارطة..

مايو 3, 2010

قبل ثلاثة أعوام، خرجت للمسير برفقة مجموعة كبيرة من عشرات المسيريين وكان المسير باتجاه أحد المناطق الجبلية غربي حمص. وكباقي الأشخاص المتحمسين معي في الباص، كان معي كل ما يلزم من تجهيزات المسير من طعام وعلب حفظ للطعام وقارورة ماء وغيره. بالإضافة إلى كل ذلك، كان معي شيء يندر وجوده في بلدي، شيء لم يكن موجود مع جميع من في الحافلة. كان معي كنزاً ثميناً مطوياً في جيبي.

وفي منتصف الطريق، مددت يدي إلى جيبي وأخرجت ذلك الكنز: خريطة بدقة ضعيفة ومعلومات متواضعة لمنطقة ريف حمص.

وما أن فتحت الخريطة حتى صاح اللذي بجانبي: خريطة!!!! وإذا بخمسة شبان يتجمعون حولي وينظرون. وما هي إلا دقائق حتى صار الجميع يريدون استعارتها وغابت الخريطة لمدة نصف ساعة تتنقل من يد لأخرى.

وبدأ العديد بسؤالي: ” من أين أحضرت الخريطة؟”

طبعاً الخريطة كما ذكرت بدقة ضعيفة ومعلومات شبه معدومة لمن يريد أن يسير في الريف السوري. ولكن كان بإمكاني أن أحضر خارطة بدقة أقوى من إحدى المديريات في القطر ولكنها لن تكون عملية لمن يريد التنزه أو من يقصدها بغرض السياحة لأنها خارطة طبوغرافية وهي غالباً ما تكون صعبة القراءة بالنسبة للكثيرين.

وبغياب الخرائط لكافة محبي السياحة الفردية أو زوار المناطق الريفية أو منطقة البادية، يعود الناس إلى طرق الألف الأول قبل الميلاد: فهم غالباً ما يحفظون الطرق ظهراً عن قلب، أو يستعينون بسؤال أهل القرى أو بالشمس..وفي العديد من الأحوال يفضلون أن يتيهوا ولو لفترة معينة. ونتيجة أخرى بديهية هي عدم تمكن معظم من أعرفهم من هواة السياحة الداخلية من قراءة الخرائط والعجز عن فك مصطلحاتها البديهية..فهو أمر لم يعتادوا عليه لأن جل الخرائط التي شاهدوها وألفوها في حياتهم هي خرائط سورية والوطن العربي والعالم. أما خرائط منطقتهم أن مدينتهم فهي شبه غائبة إلا عن مواقف الباصات.

ومع التعليقات اليومية من أصحاب الشأن في سوريا عن الأرقام الفلكية لزيادة السياح وعن خدمات السياحة الداخلية أو الخارجية، ومع النمو المعرفي الذي ينشدوه،  فإنني أعتقتد أنه  من حقي أن أسأل عن الشح الكبير للخرائط السياحية والتفصيلية عن معظم المناطق والمدن السورية.  فوجود الخارطة المجانية أو ذات السعر الرمزي بيد ابن البلد أو السائح على حد سواء هو أولوية بل هو بأمر بديهي موجود في جميع بلاد العالم المتقدمة أو التي تسعى نحو التقدم..

شهادة المرحى من سيادة السائح

أبريل 28, 2010

الزبالة معبية الطرقات والطرقات معباية مطبات والميكرو عم يرج وعم يرجّوا معه  الركاب يللي بقلبو..واحد من الركاب عم تلعي نفسو، والست الختيارة عم تزور الكل لأنو مخضوض بدنها… شب من هالشباب بيتطلع على رفيقو وبيقللوا:”شايف على هالمناظر؟ يعني لو أجو السيّاح مو بس بيتبهدلوا  بالمكاري، وكمان بيشوفوا هالزبايل على الطرقات.” رفيقوا بيهز راسو وبيقللو أنو فعلاً بلدنا مو مستعدة للسياحة منوب.

فعلاً مسكين هالسائح: لح يجي ويتبهدل بالميكرو ويشوف الزبايل  والفوضى لمدة أسبوع. أما المواطن اللي من وقت ما خلق عم يركب كل يوم بهالمكاري ويشوف الزبايل والمخالفات ويشم ريحة المازوت بالجو فمعليش.

المنطق يقتضي أنو بلدنا لازم تتحسن من شان هالسائح الأجنبي يجي ويبدي إعجابو ببلدنا ويلاحظ مدى التقدم اللي وصلنالو مقارنة مع دول الجوار. هاد السائح يللي هوة مواطن عادي متل كل المواطنين ببلدو، بيصير مبجل ومعظّم بيناتنا والكل عم يحاول يكسب رضاه ويستجدي شهادة المرحى اللي حيعطيها للبلد قبل ما يرجع على بلدو. ومو بس هيك، بيجي التلفزيون السوري وبيصورو ليقبر قلبي هالسائح هوة وعم يرقص مع العراضة الشامية وعم يركب على أحلى جمل بتدمر. أما مواطننا الكريم، فهوة مقتنع مية بالمية أنو هالفنادق والطرقات والغابات والصحاري وحتى البغال هية لخدمة السائح وأما هو، فهو الشوفير والكرسون والزلمة تبع العراضة.

ممكن كتير يجي اليوم اللي يجي فيه السائح الأجنبي ويعجب بل وينبهر بكل شي شافو. بس السؤال اللي دائماً مننساه: وين حيكونوا وشو لح يقولوا ولادنا بهداك اليوم يللي هنن ممكن ما فيهون يكونوا سياح حتى ببلدون؟

البيئة نظيفة.. أنا وحدي المستفيد؟؟؟

أغسطس 9, 2008

أو البيئة قبل الإنسان وبعده، وغيرها من الشعارات التي قد نجدها في اللوحات الإعلانية المنتشرة في دمشق. والحقيقة وبالرغم من كون تلك الشعارات والمواد الإعلانية قد تم نشرها بنية طيبة، إلا أن معظمها برأيي، وأحياناً كلها، تؤدي دوراً عكسياً.

مثل هذه الإعلانات هي مباشرة بشكل مزعج، وتظهر موضوع البيئة وحمايتها كموضوع منفصل عن بقية المواضيع، وغالباً لا تعطي فكرة واضحة عن ما هو مفهوم البيئة.

فمعظم الجمعيات وأحياناً الصحف تتناول موضوع البيئة على أنه “البيئة”، ولكن ما هي البيئة بالنسبة لأناس لم يتعرفوا على مثل هذه المصطلحات إلا في السنوات الخمسة أو الثمانية الماضية؟ إن تناول الموضوع بشكل بسيط ومباشر يصعب الأمور بالنسبة للناس بدلاً من أن يوضحها.

عندما كنت متطوعاً في الجمعية السورية للبيئة منذ بضع سنوات شاركت في برنامج تطوعي للتدريس في مدارس الابتدائي، وفيه نعطي طلاب المدارس فكرة عن مفاهيم الأحياء، الوسط الحيوي، النفايات، تكرير النفايات وغيرها. في الدرس الأول كان يجب أن نفهم الطلاب أن كلمة بيئة هي كلمة شاملة لمختلف النواحي، لكن كان الأمر صعباً حتى على آنسات الصف اللواتي يعتقد معظمهن أن البيئة تعني النظافة في الشارع والبيت. بينما يعتقد العديد من الناس هنا أن البيئة هي الحيوانات والنباتات والغابات، يعني إذا كنا في الصحراء، فهذه ليست بيئة!

يمكن لنا أن نصحح مفهوماً خاطئاً، ولكن الأخطر من كل هذا هو اعتبار نسبة كبيرة من السوريين والمثقفين منهم موضوع البيئة موضوعاً رفاهياً يخص المجتمعات الغربية والمجتمعات المرتاحة اقتصادياً والتي تجد وقتاً لكي تنصرف فيه إلى مثل هذه الكماليات. وغالباً ما يتناول الناس الموضوع على اعتباره موضوعاً مستورداً وأن المشاكل البيئية هو أمر يحدث في غابات الأمازون أو الدول الصناعية وهو أمر لا يخصنا فعلياً. وقد يص الامر أحياناً غلى أن تكون ردة الفعل مليئة بالسخرية والتهكم: أنتم جماعة بيئة واستدامة….

طيب، إذاً يوجد مشكلة واضحة، والحل برأيي يجب أن يكون أعمق من أن نضع مجرد إعلان بسيط في الطريق. خاصة أن بلدنا تعاني العديد من المشاكل البيئية العميقة تمتد من البادية إلى الأراضي المزروعة إلى المدن. ويجب أن يتعرف الناس بشكل جيد على هذه المواضيع لأنهم طرف أساسي في حل هذه المشاكل. 

من ينقذ السوسن الدمشقي

يوليو 24, 2008

قبل شهر تقريباً كنت أتفحص بريدي في موقع الصور (Flickr)، عندما لاحظت أن بريداً كان قد وصلني من شخص يعيش في إسبانية يحدثني فيه عن نبتة تدعى السوسن الدمشقي.

طبقاً للرسالة التي وصلتني، فإن السوسن الدمشقي هو نبات لا ينمو إلا على جبل قاسيون، ولا يوجد له مثيل في كل العالم. وحسب تقديره فإنه لا يوجد منه حالياً إلا العشرات.

صراحة، انصدمت: يعني نحن عادة نسمع عن الوردة الدمشقية والياسمين الدمشقي ونرى العديد من الحملات التي تدعو لنشرها في دمشق ونجدها في الكتب والأشعار. لكن السوسنة الدمشقية؟؟!! ولا تنمو إلا في قاسيون؟

صراحة، وللوهلة الأولى، ظننت أن الشخص يمزح أو يخترع قصة، أو أنه مقلب من أحد الأصدقاء. ولكي أتأكد من صحة الموضوع، اتصلت بأحد المعارف، وهي دكتورة مختصة بعلم النبات، وسألتها عن الموضوع: وبالفعل، السوسن الدمشقي هو نبات مهدد بالإنقراض، لا ينمو إلا على سطح جبل قاسيون، وقد تمت العديد من المحاولات من قبل بعض المهتمين في سورية بإعادة زراعتها أو الإكثار منها، ولكن جميع المحاولات باءت بالفشل. فهي لا تنمو إلا في البرية.

ومن أهم أسباب تعرضها لخطر الانقراض، هو تبديل نوع التربة على سطح الجبل بعد زراعته بالصنوبريات، والزحف العمراني على أسفل الجبل وانخفاض الهطولات..

ولكن، ولحسن الحظ، فهناك منطقة محمية في السفح الشمالي لجبل قاسيون، وهي منطقة توجد فيه الزهرة بشكل جيد ولكن هذا لا يمنع أن تكون هنالك وبنظري جهوداً جدية من الجمعيات الأهلية والجامعات ومديرية التنوع الحيوي في سورية اتجاه حماية هذا النوع النادر.

ماذا يمكن أن نفعل؟

هل يمكن أن نطلب من الناس ألا يقطفو الأزهار على الجبل؟

أو أن لا يلقوا القمامة والقوارير على المنحدرات؟

أو أن نجعل منطقة من سفح الجبل محمية خاصة لهذا النوع؟؟؟

صراحة، إن اقتراح الحلول سهل، ولكن تنفيذها هو ما يتطلب جهداً وتنسيقاً بين الجمعيات الأهلية والحكومة والجهات العلمية.

على الأقل، وبالنسبة لي، فقد فقد أصبح للمدينة معلم آخر وكنز ثمين جديد: السوسنة المدشقية أو (Iris Damascena)


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.